ابن العظم
54
السر المصون ذيل على كشف الظنون
الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين « 1 » قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا « 2 » فلما أظهر اللّه الأشياء من مكنون علمه ، وأبانها عن نافذ حكمه لم يستتر عنه شيء بحجاب ، ولا يعرف عنده بظهور ولا اقتراب ، وهو خلق الحجاب والمحجوب ، وقدّر البعيد والقريب فعلم ما السماوات السبع إلى ما لا غاية له وعلم ما تحت الأرضين السبع إلى ما لا نهاية بعده . ولولا قوله تبارك وتعالى ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء [ البقرة ، 2 / 255 ] لانتفي عنا العلم ، لا سيما بقوله : واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون [ البقرة ، 2 / 232 . ] وأما علم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذي لا يدرك بطلب ، ولا يتوصّل إليه بحيلة ولا سبب ، فهو تخصيص منه تبارك وتعالى بما شاء من علمه بوحي ينزله عليهم ، أو بإلهام يقرّره في نفوسهم ، ويمثّله في خواطرهم فيعلّمهم ما شاء من علمه ، ويطلعهم على ما شاء من غيبه ، فيكشف لهم الغطاء عن حقيقة الأشياء على ما هي عليه فيعرفونها مشاهدة بالبصيرة الباطنة فيخبرون عن صحة تثبت لهم بها تقليد المنزّل عليهم من الملائكة ، ثم يكون الإلهام المقرّر في نفوسهم الواصل إليهم من النور الإلهي ، فذلك ثلاث مقامات : وحيّ ، وكشف ، وإلهام يشركهم فيه الأولياء لا يتجاوزونه ، وهذا تخصيص من اللّه تعالى لأنبيائه عليهم الصلاة والسلام ، ولم يجعله علما كافيا ، ألا ترى إلى احتياج موسى عليه الصلاة والسلام إلى الخضر عليه السلام في قوله تعالى حكاية عنه : هل أتّبعك على أن تعلّمني مما علّمت رشدا [ الكهف ، 18 / 66 ] . فصل : في تقدّم العلم على العمل وتقدّم الإيمان عليه . اعلم أنّ العلم متقدّم الوجود على العمل ، لأن العمل لا يكون إلّا بعد العلم وهو ثبات صورة المعلوم ، وتصوّر أشخاص المعاني في نفس العالم . والإيمان هو الذي يوجب العلم لأنه متقدّم الوجود عليه . ألا ترى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما قالوا أولا بالدعوة إلى الإقرار بما جاءت به ، والتصديق بما ادّعته مما صحّحته الدلائل ، وصدّقته الآيات وكان غائبا عن تصوّر الأوهام ، وتدبّر الأفهام . فإذا أقروا بالألسنة طلبوا بالتصديق ، فإذا صدّقوا صحّ الإيمان فإذا صحّ الإيمان دعو إلى العلم المؤدّي إلى معرفة الواجب عليهم ، الباعث على القيام باللازم لهم من شرائع دينهم ، وتوابع دنياهم ، لأنه ليس للسمع ولا للنطق حقيقة في نفع ولا ضرر إلا بصحّة ثبوت المعرفة في القلب فإنّ العلم ينقسم قسمين : ظاهر ، وباطن . فالظاهر : سماع بالأذن ، ونطق باللسان ، وعمل بالجوارح .
--> ( 1 - 2 ) البقرة ، 2 / 31 / 32 .